Jasmina

جوسلين

جوسلين

رواية للكاتب ألفونس دو لامارتين

ترجمة الياس أبو شبكة

عندما ينسلُّ الظلام بين أعمدة الدير، ويجلس المبتدئون كل إلى مقعده يتحدث إلى رفيقه ويسامره، أُسرع إلى باب الهيكل السري وأسكب نفسي على أقدام الإله العظيم! ذكريات بعيدة تتراءى لي شاحبة الوجه من خلال الأحلام، وتغسلني في بحيرات هادئة ساكنة، فتستفيق في نفسي تلك الساعات الحلوة اللذيذة أيام كنت أسمع لهاث الشمأل في الضباب الرمادي، وأرى أعمدة الحور والصفصاف تضطرب كالقصبة وتهز الثلج المتراكم عليها، فيتساقط كالمندوف الأبيض ويذوب على الصخور أو على التراب! أجل! أيَّام كانت الدموع تتفجَّر من ينبوعٍ إلهيٍّ في صدري، وتمرُّ أخيلةٌ سوداء في مذاهبِ الجوّ، فأخالني سأقبض بكلتا يديَّ على سُبح الله بين تلك الغيوم المتلبدة!

في ١٨ أيار سنة ١٧٨٦

قلتُ لأمي هذا الصباح ما يأتي: «أشعر أن الله يناديني إليه، فالتقوى الشريفة والإيمان الحي اللذان سقيتني إياهما يحملان الآن ثمرات ربما كانت مرة عندك وعند شبابي، لكنها حلوة وعذبة عند نفسي، إلى المبدع الخالق يا أمي! إن أشباح القديسين تدعوني إليها، فأودُّ أن أرفع إلى الله أيَّامي الفانية كما يرفعون إلى المذابح آنية من البخور طاهرة! ما من شيء يجذبني على هذه الأرض، فلا أريد أن أدنِّس أقدامي على هذه الطرقات، حيث يمر قطيع الإنسانية على مستنقعات الخبث والرَّذيلة.
إني أؤثر أن أتَّبع منذ الصباح طريقي الساكنة، وأن ألجأ إلى موئل الله، حيث السلام والهدوء والراحة! وإذا اقتضى أن أحمل حساماً للقتال في هذه الحياة فإني أختار واحداً يختلف عن غيره، وأموت رافع الرأس على حضيض المعمعة! ثم إن الحياة ثقيلة متعبة، فالأولى بي أن أحملها وحدها، وأطرح ذلك الثقل الحديدي عن قلبي! ثقل الطمع والرغبات والمآرب! آه! لا تقاومي مشيئتي يا أمي وانزلي عند هذا الرَّجاء المفرح! لا، لا تقاومي، فسوف تكونين فخورة بهذه الكلمة التي تكاد أن تكون وداعاً مرّاً، أيُّ شيء أكثر وداعةً من اسم الكاهن؟ آه! لا تخجلي من ذلك، فليس أشرف وأنبل من هذه الغاية يا أمي! إن الله الذي قسَّم الإنسانية أعطى لكل واحد قسمته، فمنهم: من أعطاه الأرض ليحرثها، ومنهم من أعطاه امرأةً يُحبها ويُثمر منها أولاداً، ومنهم من قال له: اجعل دويّاً في العالم، لكنه التفت إلى القلوب الملأى بالمحبة والإيمان، قائلاً لها: «أما أنتم فلا تحملوا شيئاً من متاع العالم، فستجدون كل شيء بين ذراعي»، إنَّ الكاهن يا أمي لقارورة طاهرة، معلقة على قبة المذبح، حيث أشذاء الفجر والأعشاب العطرة تستحيل إلى بخار مقدَّس وتتصاعد إلى الملأ الأعلى! إن الكاهن لأرغن السماء يذيب نغماته على الأرض، غير أن صوته لا يمتزج بدوي العالم ولا يتجاوز عتبة الهيكل، بل إنه يرفع إلى الله من ظلمات المعبد أنغامه المقدسة حاملة إلى الألوهية ألحان الطبيعة والإنسانية، ولكن ربما قلتِ يا أمي: «إنه يحيا معتزلاً، ونفسه التي لا يذوب عليها شعاع المرأة تستحيل إلى خشونة وصلابة بين ظلمات الوحدة وجدران السكون»، لا يا أمي، فالمسيحُ يضع في قلبه عظمة المحبة واللين، فلا تخشي أن تُفقد من نفسي عاطفة جعلتها وقفاً لمحبتك! آه! إن الله الذي يناديني إليه ليس إلهاً حسوداً، بل هو الرحيم المشفق الذي لا يطلب شيئاً من نفوس الأبناء إلا ليضعه طاهراً في نفوس الآباء! سأكون رسولاً لهذا الإله المحب، وسأرفع نفسك الطاهرة إلى أعالي السماء بزفراتي ودموعي! لا تغمضي جفنيك يا أمي ولا تنظري إليَّ بهذا الحزن العميق، بل قولي لي كما قالت سارة: «ليكن ما أراد المبدع الخالق!» وباركيني بيدك الطاهرة!»

جوسلين

جوسلين

رواية للكاتب ألفونس دو لامارتين

ترجمة الياس أبو شبكة

عندما ينسلُّ الظلام بين أعمدة الدير، ويجلس المبتدئون كل إلى مقعده يتحدث إلى رفيقه ويسامره، أُسرع إلى باب الهيكل السري وأسكب نفسي على أقدام الإله العظيم! ذكريات بعيدة تتراءى لي شاحبة الوجه من خلال الأحلام، وتغسلني في بحيرات هادئة ساكنة، فتستفيق في نفسي تلك الساعات الحلوة اللذيذة أيام كنت أسمع لهاث الشمأل في الضباب الرمادي، وأرى أعمدة الحور والصفصاف تضطرب كالقصبة وتهز الثلج المتراكم عليها، فيتساقط كالمندوف الأبيض ويذوب على الصخور أو على التراب! أجل! أيَّام كانت الدموع تتفجَّر من ينبوعٍ إلهيٍّ في صدري، وتمرُّ أخيلةٌ سوداء في مذاهبِ الجوّ، فأخالني سأقبض بكلتا يديَّ على سُبح الله بين تلك الغيوم المتلبدة!

في ١٨ أيار سنة ١٧٨٦

قلتُ لأمي هذا الصباح ما يأتي: «أشعر أن الله يناديني إليه، فالتقوى الشريفة والإيمان الحي اللذان سقيتني إياهما يحملان الآن ثمرات ربما كانت مرة عندك وعند شبابي، لكنها حلوة وعذبة عند نفسي، إلى المبدع الخالق يا أمي! إن أشباح القديسين تدعوني إليها، فأودُّ أن أرفع إلى الله أيَّامي الفانية كما يرفعون إلى المذابح آنية من البخور طاهرة! ما من شيء يجذبني على هذه الأرض، فلا أريد أن أدنِّس أقدامي على هذه الطرقات، حيث يمر قطيع الإنسانية على مستنقعات الخبث والرَّذيلة.
إني أؤثر أن أتَّبع منذ الصباح طريقي الساكنة، وأن ألجأ إلى موئل الله، حيث السلام والهدوء والراحة! وإذا اقتضى أن أحمل حساماً للقتال في هذه الحياة فإني أختار واحداً يختلف عن غيره، وأموت رافع الرأس على حضيض المعمعة! ثم إن الحياة ثقيلة متعبة، فالأولى بي أن أحملها وحدها، وأطرح ذلك الثقل الحديدي عن قلبي! ثقل الطمع والرغبات والمآرب! آه! لا تقاومي مشيئتي يا أمي وانزلي عند هذا الرَّجاء المفرح! لا، لا تقاومي، فسوف تكونين فخورة بهذه الكلمة التي تكاد أن تكون وداعاً مرّاً، أيُّ شيء أكثر وداعةً من اسم الكاهن؟ آه! لا تخجلي من ذلك، فليس أشرف وأنبل من هذه الغاية يا أمي! إن الله الذي قسَّم الإنسانية أعطى لكل واحد قسمته، فمنهم: من أعطاه الأرض ليحرثها، ومنهم من أعطاه امرأةً يُحبها ويُثمر منها أولاداً، ومنهم من قال له: اجعل دويّاً في العالم، لكنه التفت إلى القلوب الملأى بالمحبة والإيمان، قائلاً لها: «أما أنتم فلا تحملوا شيئاً من متاع العالم، فستجدون كل شيء بين ذراعي»، إنَّ الكاهن يا أمي لقارورة طاهرة، معلقة على قبة المذبح، حيث أشذاء الفجر والأعشاب العطرة تستحيل إلى بخار مقدَّس وتتصاعد إلى الملأ الأعلى! إن الكاهن لأرغن السماء يذيب نغماته على الأرض، غير أن صوته لا يمتزج بدوي العالم ولا يتجاوز عتبة الهيكل، بل إنه يرفع إلى الله من ظلمات المعبد أنغامه المقدسة حاملة إلى الألوهية ألحان الطبيعة والإنسانية، ولكن ربما قلتِ يا أمي: «إنه يحيا معتزلاً، ونفسه التي لا يذوب عليها شعاع المرأة تستحيل إلى خشونة وصلابة بين ظلمات الوحدة وجدران السكون»، لا يا أمي، فالمسيحُ يضع في قلبه عظمة المحبة واللين، فلا تخشي أن تُفقد من نفسي عاطفة جعلتها وقفاً لمحبتك! آه! إن الله الذي يناديني إليه ليس إلهاً حسوداً، بل هو الرحيم المشفق الذي لا يطلب شيئاً من نفوس الأبناء إلا ليضعه طاهراً في نفوس الآباء! سأكون رسولاً لهذا الإله المحب، وسأرفع نفسك الطاهرة إلى أعالي السماء بزفراتي ودموعي! لا تغمضي جفنيك يا أمي ولا تنظري إليَّ بهذا الحزن العميق، بل قولي لي كما قالت سارة: «ليكن ما أراد المبدع الخالق!» وباركيني بيدك الطاهرة!»

جوسلين