Jasmina

المثنوي المعنوي

جلال الدين الرومي

ترجمة د علي عباس زليخة

أهمُّ كتابٍ صوفيٍّ

إذا أمسكَ بكَ الهمُّ وعينُكَ مفتوحةٌ، فاعلَم أنَّكَ قد أغلقتَ عينَ القلبِ فافتَحها..

بدأ جلال الدين الرومي بكتابة ديوان “المثنوي المعنوي” عندما كان في الرَّابعة والخمسين من عمره، حوالي سنة 1258 واستمرَّ بنقش الأبيات الصوفية في هذا الديوان حتى وفاته عام 1273، و”المثنوي” في اللغة الفارسية تعني النَّظمَ المزدوج؛ أي أن يتّحد شطرا البيتِ الواحدِ، ويكون لكلِّ بيتٍ قافيته الخاصَّة، بذلك تتحرَّر المنظومة من القافية الموحَّدة.
وفي تفاصيل الديوان فإنه يتألف من ستة مجلداتٍ، يضمُّ كلُّ مجلدٍ مقدِّمةً وخاتمةً نثريتين، بلغ عدد أبيات المثنوي (25632) بيتاً، موزعة بين أجزائه الستّة، كما يحوي بين طياته (424) قصةً تشرح معاناة العارف في الوصول إلى حبِّه الأكمل؛ الذي هو الله.
تروى قصتان عن كتابة الرومي لهذا الديوان، الأولى: على لسان حسام الدين حسن چلبي؛ الذي كان من أقرب النَّاس لجلال الدين الرومي، إذ يقول إنَّه طرح على جلال الدين الرومي فكرة كتابة شيءٍ مشابهٍ لـ “حديقة الحقيقة” لـِ سنائي، أو “إلهي نامه” و”منطق الطير” لـِ فريد الدين العطار، حتى يكون هذا الديوان صديقاً للكثير من الرَّحالة في سفراتهم، وأن يملؤوا قلوبهم بأشعار الرومي، وينشدونها بأساليبهم الخاصة مختارين الموسيقى التي يرونها مناسية. عند ذلك ابتسم جلال الدين وأخرج من عمامته قطعةً من الورق كُتب عليها أول ثمانية عشر بيتاً من المثنوي، والذي يبدأ:
استمعْ للنَّاي تشكو باحتراق وهي تروي ما جرى عهدَ الفراق
فتوسل إليه حسام أن يكتب أكثر، وتعهَّد له أن ينشدَ ما يخطّه، في حين إنّ حسام الدين حسن چلبي سرد مسيرة كتابة هذا الديوان قائلاً: “إنه- أي جلال الدين – لم يُمسك قلماً في يده أبداً حين ألَّف المثنوي، وأينما أراد أن يملي سواء في المدرسة أو في ساحات قونية أو في بساتين الكروم، كنتُ أكتب ما يملي عليّ، وبالكاد أستطيع ملاحقته، لأنَّ إملاءاته تستمر ليلاً نهاراً، وبضعة أيام، وفي أوقات أخرى لا يؤلف شيئاً لعدة أشهر. مرَّةً استمر الحال مدة سنتين لم يؤلف شيئاً، وفي كلِّ مرَّةٍ يكتمل جزءٌ كنت أعيد قراءته عليه لكي يستطيع تصحيح ما كُتب”.
وهناك روايةٌ أخرى أقرب إلى الخيال عن لسان ابن بطوطة؛ إذ قال: “إن جلال الدين الرومي كان في بداياته فقيهاً مدرساً، يجتمع إليه الطلبة بمدرسته في قونية، فدخل يوماً إلى المدرسة رجلٌ يبيع الحلوى، وعلى رأسه طبقٌ منها، وهي مقطَّعةٌ قطعاً، يبيع القطعة منها بفلسٍ. فلما أتى مجلس التَّدريس قال له الشيخ: هاتِ طبقك. فأخذ الحلواني قطعةً منه وأعطاها للشيخ.. أخذها الشيخ بيده وأكلها. من ثمَّ خرج الحلواني ولم يطعم أحداً سوى الشيخ، فخرج الشيخ في إثرهِ، وترك التدريس فأبطأ على الطلبة. طال انتظارهم إياه، فخرجوا في طلبِهِ لكنهم لم يعرفوا له مستقراً. عاد إليهم بعد أعوامٍ، وصار لا ينطق إلا بالشعر المتعلق الذي لا يُفهم. فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، وألَّفوا منه كتاباً سمُّوه المثنوي. وأهل تلك البلاد يعظِّمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه، ويعلِّمونه ويقرؤونه بزواياهم في ليالي الجمعات”.
حتى وصل جلال الدين الرومي إلى هذه الأبدية كان لا بدَّ له أن ينهض بمشروعٍ كبير في الإحياء الديني، ويضع يده على نقاط ضعف النَّفس البشريَّة وقوتّها؛ منطلقاً من القرآن والسنّة، يدعو الى ارتفاع الانسان بمستوى إنسانيته، فكان خطابه خطابَ توحيدٍ ووحدة. ومما ساعد جلال الدين الرومي على الخلود حتى يومنا هذا هو قدرة أعماله على مخاطبة الإنسان، أيِّ إنسانٍ، على مرّ العصور.
وعلى اعتبار أن جلال الدين الرومي من أصولٍ عربية، وكتب أشهر أعماله باللغة الفارسية، فقد أثار ذلك حمية العرب، وأرادوا ترجمة ديوانه إلى العربية؛ للتغني بنسب مولانا جلال الدين الرومي الذي يعود إلى بلخ “أفغانستان حالياً” هناك نسخٌ كثيرةٌ حاول المترجمون فيها جاهدين أن يترجموا الديوان ويبقوا على قافيته قائمةً من دون تدميرٍ وركاكة تعابير.
لكنَّ هذه الترجمة هي الأحدث، تحافظ على النصِّ الأصلي من دون تصرِّفٍ في الترجمة، تقعُ في ستة مجلداتٍ، بلغةٍ عربية فصيحةٍ، نقلَ المترجم فيها المثنويَّ بأمانةٍ ودقة، وهذا ليس جديداً عليه، فقد ترجم من الفارسية وحدها: (الشاهنامه، منطق الطير، الأسرار، المصيبة، ديوان فريد الدين العطار، المجالس السبعة، كُلِّيات شمس، رسائل صفي عليشاه، مجموع ديوان حافظ الشيرازي)، وألَّف كتاباً عن سيرة حياة مولانا، بالإضافة إلى ترجماتٍ أخرى: (لامارتين، بودلير، فيغتور هيغو، شيلّي)..
المثنوي المعنوي

جلال الدين الرومي

ترجمة د علي عباس زليخة

أهمُّ كتابٍ صوفيٍّ

إذا أمسكَ بكَ الهمُّ وعينُكَ مفتوحةٌ، فاعلَم أنَّكَ قد أغلقتَ عينَ القلبِ فافتَحها..

بدأ جلال الدين الرومي بكتابة ديوان “المثنوي المعنوي” عندما كان في الرَّابعة والخمسين من عمره، حوالي سنة 1258 واستمرَّ بنقش الأبيات الصوفية في هذا الديوان حتى وفاته عام 1273، و”المثنوي” في اللغة الفارسية تعني النَّظمَ المزدوج؛ أي أن يتّحد شطرا البيتِ الواحدِ، ويكون لكلِّ بيتٍ قافيته الخاصَّة، بذلك تتحرَّر المنظومة من القافية الموحَّدة.
وفي تفاصيل الديوان فإنه يتألف من ستة مجلداتٍ، يضمُّ كلُّ مجلدٍ مقدِّمةً وخاتمةً نثريتين، بلغ عدد أبيات المثنوي (25632) بيتاً، موزعة بين أجزائه الستّة، كما يحوي بين طياته (424) قصةً تشرح معاناة العارف في الوصول إلى حبِّه الأكمل؛ الذي هو الله.
تروى قصتان عن كتابة الرومي لهذا الديوان، الأولى: على لسان حسام الدين حسن چلبي؛ الذي كان من أقرب النَّاس لجلال الدين الرومي، إذ يقول إنَّه طرح على جلال الدين الرومي فكرة كتابة شيءٍ مشابهٍ لـ “حديقة الحقيقة” لـِ سنائي، أو “إلهي نامه” و”منطق الطير” لـِ فريد الدين العطار، حتى يكون هذا الديوان صديقاً للكثير من الرَّحالة في سفراتهم، وأن يملؤوا قلوبهم بأشعار الرومي، وينشدونها بأساليبهم الخاصة مختارين الموسيقى التي يرونها مناسية. عند ذلك ابتسم جلال الدين وأخرج من عمامته قطعةً من الورق كُتب عليها أول ثمانية عشر بيتاً من المثنوي، والذي يبدأ:
استمعْ للنَّاي تشكو باحتراق وهي تروي ما جرى عهدَ الفراق
فتوسل إليه حسام أن يكتب أكثر، وتعهَّد له أن ينشدَ ما يخطّه، في حين إنّ حسام الدين حسن چلبي سرد مسيرة كتابة هذا الديوان قائلاً: “إنه- أي جلال الدين – لم يُمسك قلماً في يده أبداً حين ألَّف المثنوي، وأينما أراد أن يملي سواء في المدرسة أو في ساحات قونية أو في بساتين الكروم، كنتُ أكتب ما يملي عليّ، وبالكاد أستطيع ملاحقته، لأنَّ إملاءاته تستمر ليلاً نهاراً، وبضعة أيام، وفي أوقات أخرى لا يؤلف شيئاً لعدة أشهر. مرَّةً استمر الحال مدة سنتين لم يؤلف شيئاً، وفي كلِّ مرَّةٍ يكتمل جزءٌ كنت أعيد قراءته عليه لكي يستطيع تصحيح ما كُتب”.
وهناك روايةٌ أخرى أقرب إلى الخيال عن لسان ابن بطوطة؛ إذ قال: “إن جلال الدين الرومي كان في بداياته فقيهاً مدرساً، يجتمع إليه الطلبة بمدرسته في قونية، فدخل يوماً إلى المدرسة رجلٌ يبيع الحلوى، وعلى رأسه طبقٌ منها، وهي مقطَّعةٌ قطعاً، يبيع القطعة منها بفلسٍ. فلما أتى مجلس التَّدريس قال له الشيخ: هاتِ طبقك. فأخذ الحلواني قطعةً منه وأعطاها للشيخ.. أخذها الشيخ بيده وأكلها. من ثمَّ خرج الحلواني ولم يطعم أحداً سوى الشيخ، فخرج الشيخ في إثرهِ، وترك التدريس فأبطأ على الطلبة. طال انتظارهم إياه، فخرجوا في طلبِهِ لكنهم لم يعرفوا له مستقراً. عاد إليهم بعد أعوامٍ، وصار لا ينطق إلا بالشعر المتعلق الذي لا يُفهم. فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، وألَّفوا منه كتاباً سمُّوه المثنوي. وأهل تلك البلاد يعظِّمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه، ويعلِّمونه ويقرؤونه بزواياهم في ليالي الجمعات”.
حتى وصل جلال الدين الرومي إلى هذه الأبدية كان لا بدَّ له أن ينهض بمشروعٍ كبير في الإحياء الديني، ويضع يده على نقاط ضعف النَّفس البشريَّة وقوتّها؛ منطلقاً من القرآن والسنّة، يدعو الى ارتفاع الانسان بمستوى إنسانيته، فكان خطابه خطابَ توحيدٍ ووحدة. ومما ساعد جلال الدين الرومي على الخلود حتى يومنا هذا هو قدرة أعماله على مخاطبة الإنسان، أيِّ إنسانٍ، على مرّ العصور.
وعلى اعتبار أن جلال الدين الرومي من أصولٍ عربية، وكتب أشهر أعماله باللغة الفارسية، فقد أثار ذلك حمية العرب، وأرادوا ترجمة ديوانه إلى العربية؛ للتغني بنسب مولانا جلال الدين الرومي الذي يعود إلى بلخ “أفغانستان حالياً” هناك نسخٌ كثيرةٌ حاول المترجمون فيها جاهدين أن يترجموا الديوان ويبقوا على قافيته قائمةً من دون تدميرٍ وركاكة تعابير.
لكنَّ هذه الترجمة هي الأحدث، تحافظ على النصِّ الأصلي من دون تصرِّفٍ في الترجمة، تقعُ في ستة مجلداتٍ، بلغةٍ عربية فصيحةٍ، نقلَ المترجم فيها المثنويَّ بأمانةٍ ودقة، وهذا ليس جديداً عليه، فقد ترجم من الفارسية وحدها: (الشاهنامه، منطق الطير، الأسرار، المصيبة، ديوان فريد الدين العطار، المجالس السبعة، كُلِّيات شمس، رسائل صفي عليشاه، مجموع ديوان حافظ الشيرازي)، وألَّف كتاباً عن سيرة حياة مولانا، بالإضافة إلى ترجماتٍ أخرى: (لامارتين، بودلير، فيغتور هيغو، شيلّي)..
المثنوي المعنوي