Jasmina

الشاهنامه

العمل الملحمي الأبرز، غير أن هذه الطبعة من الشاهنامه لا تشبه ما هو متوفر في سوق الترجمة، تُترجم حديثاً، بقلم المترجم الفذّ: د. علي عباس زليخة، وغير خافٍ أن هذا المترجم هو فارس الترجمة في الوطن العربي؛ إذ ترجم عن الفارسية وحدها (المثنوي المعنوي- منطق الطير، كتاب الأسرار، المصيبة، ديوان فريد الدين العطار، ديوان حافظ الشيرازي، المجالس السبعة، رسائل صفي عليشاه، وغيرها) بالإضافة إلى ترجمته من الآداب الأخرى عن: لامارتين، بودلير، فيغتور هيغو، شيللي، وغيرهم.

ترجمة الشاهنامه هي الأبرز لهذا العام، وهي طبعة فريدة ومطابقة للأصل لا تصرُّفَ في ترجمتها.

 

قِصَّةُ زال (دستان) بن سام البَطَل في عَهْدِ المَلِكِ مِنُوﭽـهر مِنْ مُلُوكِ الفُرْس
لَمْ يَكُنْ لِسام نَرِيْمان بَطَلِ العالَمِ أَيُّ وَلَدٍ ، وَكانَ قَلْبُهُ في طَلَبِ هذا المُراد ، كانَ في مَنْزِلِ حَرِيْمِهِ حَسْناءٌ ، الحَسْناءُ حَمَلَتْ مِنْ سام نَريمان ، عانَتْ مِنْ ثِقَلِ الحَمْلِ وانْفَصَلَ عَنْها، طِفْلٌ وَسِيْمٌ كالشَّمْسِ ، كانَ بالوَجْهِ كالشَّمْسِ ، لكِنَّ شَعْرَهُ كانَ أَبْيَضَ تَماماً، وُلِدَ الوَلَدُ على تِلْكَ الهَيْئَةِ مِنَ الأُمّ ، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ لِسام مُدَّةَ أُسْبُوع ، دَخَلَتْ المُرَبِّيَةُ بِجُرْأَةٍ على البَطَل ، أنْ كانَ اليَوْمُ مُبارَكاً على البَطَلِ سام ، مِنْ خَلْفِ حِجابِكَ أَيْ طالِبَ الاِسْم، جاءَ وَلَدٌ طاهِرٌ بِوَجْهِ قَمَر ، بَدَنُهُ بَياضُ الفِضَّةِ وَوَجْهُهُ كالجَنَّة ، لا تَرى عَلَيْهِ طَرَفاً واحِداً مَعِيْباً، مِنَ العَيْبِ عِنْدَهُ بَياضُ الشَّعْر، هكذا كانَ قَسْمُكَ أَيْ طالِبَ الاِسْم، سامُ الفارِسُ حِيْنَ رَأى الْوَلَدَ أَبْيَضَ الشَّعْر ، وَجَّهَ الوَجْهَ إلى السَّماءِ طالباً الغَوْثَ مِنَ الخالِق، أنْ إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ ذَنْباً عَظِيْماً ، أوْ كُنْتُ جِئْتُ بِطَرِيْقِ الشَّيْطان ، عَلَّ خالِقَ العالَمِ بالمَعْذِرَة ، يَعْمَلُ في العالَمِ لِيَ المَغْفِرَة ، حِيْنَ يَجِيْءُ الأبْطالُ وَيَسْأَلُوْنَني ، ما أُجِيْبُ عَنْ هذا الطِّفْلِ سَيِّئِ العلامَة ، ما أَقُولُ عَنْ طِفْلِ الشَّيْطانِ هذا ما يَكُون ، مِنْ هذا العارِ أنا أَتْرُكُ أَرْضَ إِيْران ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ ، مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ وَيُؤْخَذَ بَعِيْداً ، أخَذُوهُ إلى جَبَلِ البُرْز(الهملايا)، وَضَعُوْهُ على الجَبَلِ وعادُوا راجِعِيْن ، طائِرٌ في ذلِكَ الجَبَلِ اِسْمُهُ السيمُرغ، طارَ مِنَ العُشِّ لِيَجْلِبَ لِصِغارِهِ الطَّعام، رأى طِفْلاً رَضِيْعاً باكِياً ، لَهُ مِنَ الصَّخْرِ سَرِيْرٌ وَمِنَ التُّرابِ حاضِنَة ، البَدَنُ بلا ثَوْبٍ والشَّفَةُ مِنَ اللَّبَنِ طاهِرَة ، هَبَطَ السِّيْمُرْغ نازِلاً مِنَ السَّحاب ، أخَذَهُ بالمَخْلَبِ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الحارَّة، حَمَلَهُ مُسْرِعاً إلى أعلى جَبَلِ البُرْز ، صارَ السِّيْمُرغ يُرَبِّيْهِ مَعَ صِغارِه، صارَ يَنْتَخِبُ ذاكَ الأَلْطَفَ مِنَ الصَّيْدِ ، لِيَمْتَصَّ مِنْهُ الدَّمَ ذاكَ الضَّيْفُ بلا لَبَن ، على هذا النَّحْوِ زَمَناً طَوِيْلاً، حِيْنَ ذاكَ الوَلَدُ الصَّغِيْرً صارَ ذا قَدْر ، على ذاكَ الجَبْلِ بَعْدَ أنْ مَرَّ عُمْر ، صارَ رَجُلاً بِقامَةِ سَرْوَةٍ حُرَّةٍ ، صَدْرُهُ جَبَلُ فِضَّةٍ وَوَسَطُهُ كالنَّاي ، صارَ الخَبَرُ عَنْهُ مُنْتَشِرَاً في العالَم ، لا الخَيْرُ يَبْقى مَخْفِيَّاً أَبَداً ولا الشَّرّ ، لِسام نَرِيْمانَ وَصَلَ الخَبَرُ ، عَنْ ذاكَ الوَلَدِ العَزِيْزِ مُبارَكِ القَدَم .
في لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالي وَكانَ نائِماً بِحُرْقَةِ قَلْبٍ ، وَكانَ مِنْ فِعْلِ الزَّمانِ في الاِضْطِراب ، رأى في النَّوْمِ هكذا أنْ مِنَ الهُنُود ، جاءَ رَجُلٌ يَعْدُو على حِصانٍ عَرَبِيّ ، أَعْطاهُ البِشارَةَ عَنْ وَلَدِهِ ، عنْ ذاكَ الغُصْنِ الشَّامِخِ المُثْمِرِ مِنْه ؛ حِيْنَ صارَ مُسْتَيْقِظاً طَلَبَ رِجالَ الدِّيْن ، قالَ ما تَقُولُونَ في هذِهِ القِصَّة ، عَقْلُكُمْ على هذا رَفِيْقٌ مُعِيْن ، كُلُّ شَخْصٍ كانَ مِنْ شَيْخٍ وَشابّ ، فَتَحَ اللِّسانَ بالحَدِيْثِ للبَطَل ، أنْ على الصَّخْرِ والتُّرابِ الأَسَدُ والفَهْد ، وَفي البَحْرِ سَواءً الحُوتُ أمِ التِّمْساح ، جَمِيْعُ هَؤلاءِ يُرَبُّونَ الصِّغار ، يُوْصِلُونَ بِذاكَ الثَّناءَ للإله ، أنتَ عَهْدَ عَطاءِ الخَيْرِ نَقَضْت ، ذاكَ الطِّفْلَ بلا ذَنْبٍ رَمَيْت ، اِقْصِدِ الآنَ للإلهِ طَلَبَ المَغْفِرَة ، فَهُوَ يَكُونُ الدَّلِيْلَ للخَيْر ، حِيْنَ صارَ اللَّيْلُ مُظْلِماً ذَهَبَ للنَّوم ، رأى في النَّوْمِ أنْ مِنْ جَبَلِ الهِنْد ، هكذا ارْتَفَعَتْ رايَةٌ عالِيَة ، وَشابٌّ حَسَنُ الوَجْهِ جاءَ ظاهِراً ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ جَيْشٌ ثَقِيْل ، عَنْ يَدِهِ اليُسْرى مُوْبِدٌ فَرِيْد ، وَعَنْ يُمْناهُ عاقِلٌ مَشْهُور ، مِنْ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ جاءَ واحِدٌ أمامَ سام ، فَتَحَ اللِّسانَ بالحَدِيْثِ بِبارِدِ الكَلام ، أَنْ أَيْ رَجُلاً مُتَهَوِّراً فاسِدَ الرَّأْي، غَسَلْتَ القَلْبَ والعَيْنَ مِنَ الخَجَلِ مِنَ الإله ، إذا كانَ الشَّعْرُ الأَبْيَضُ عَيْباً للرَّجُل ، لِحْيَتُكَ تَصِيْرُ مِثْلَ الصَّفْصافِ الأَبْيَض ، فَكُنْ إِذَنْ نَفُوراً مِنَ الخالِقِ ، لَقَدْ كانَتْ لِوَلَدِكَ العِنايَةُ مِنَ الخالِق ، فَما مِنْ حاضِنٍ أَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ ، سام وَهُوَ في النَّوْمِ صارَ يَبْكِي ، مِثْلَ أَسَدٍ هَصُورٍ وَقَعَ بالشِّباك ، حِيْنَ صارَ مُسْتَيْقِظاً طَلَبَ العُقَلاء ، جاءَ مَعَهُم مُسْرِعاً إلى سَفْحِ ذاكَ الجَبَلِ ، رأى جَبَلاً رَأْسُهُ في الثُّرَيَّا ، كما لَوْ قُلْتَ يُرِيْدُ يَحْمِلُ النَّجْم ، وَعُشَّ طَيْرٍ رُفِعَ مِنْهُ عالِياً ، فلا يَصِلُ لَهُ الأَذى مِنْ كَيْوان ، مِنَ الأَبَنُوْسِ والصَّنْدَلِ أُنْزِلَ عَمُود ، وَمِنْ خَشَبِ العُوْدِ عُقِدَ العُوْدُ بالعُوْد ، نَظَرَ سامُ إلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ الصَّلْدَة ، إلى هَيْبَةِ ذاكَ الطَّائِرِ وَهَوْلِ العُشّ ، كانَ قَصْراً قِمَّتُهُ في السَّماك ، بلا أَذىً مِنْ يَدٍ ولا مِنَ الماءِ والتُّراب ، بَحَثَ عَنِ الطَّرِيْقِ إِلَيْهِ وَمَتى كانَ الطَّرِيْق ، للوُحُوشِ والنَّعَمِ لِمِثْلِ ذاكَ المَكان ، قالَ الثَّناءَ للخالِقِ المُبْدِع ، وَعَفَّرَ الخَدَّيْنِ بالتُّراب ، قالَ أَنْ أَيْ أَعْلى مِنَ المَكان ، وَمِنَ الرُّوحِ المُضِيْئَةِ وَمِنَ الشَّمْسِ والقَمَر، إذا كانَ هذا الوَلَدُ مِنْ ظَهْري الطَّاهِر ، لا مِنَ البِذْرَةِ سَيِّئَةِ الجَوْهَرِ مِنَ الشَّيْطان ، خُذْ بِيَدِ العَبْدِ واقْبَلْ هذا المَمْلُوْءَ مِنَ الذُّنُوب .
السِّيْمُرغ قالَ لِوَلَدِ سام هكذا، أنْ أَيْ مَنْ رَأَيْتَ أَلَمَ العُشّ ، الوالِدُ سامُ بَطَلُ أَبْطالِ العالَم ، الشَّخْصُ الأَعْظَمُ ما بَيْنَ العُظَماء ، جاءَ لِهذا الجَبَلِ يَبْحَثُ عَنكَ، أنتَ يَجِيْءُ لَكَ عِنْدَهُ الاِعْتِبار ، إنَّهُ لائِقٌ أَنْ أَحْمِلَكَ الآن ، بلا أَذىً أَنْقُلُكَ إلى جِوارِه ، اُنْظُرْ لِما قالَ دَسْتان للسِّيْمُرْغ ، كأنَّكَ صِرْتَ شَبْعانَ مِنْ رِفْقَتِي ، عِشُّكَ هُوَ المَكانُ المُضِيْءُ لِي، جَناحاكَ هُما تاجُ رِفْعَتِي ، أعْطى الجَوابَ هكذا أنْ إِذا رَأَيْتَ ، رَسْمَ المُلُوكِ والتَّاجَ والعَرْش ، رُبَّما لا يَكُونُ لَكَ هذا العُشُّ ذا عَمَل ، قُمْ بِعَمَلِ امْتِحانٍ واحِدٍ مِنَ الدَّهْر ، وَخُذْ مَعَكَ رِيْشَةً مِنْ جَناحِي، فَإنَّ ظِلَّ رِفْعَتي مُبارَك ، إذا قابَلُوكَ بِأَيَّةِ شِدَّةٍ ، وإِذا جاؤوا بالجِدالِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرّ ، أَلْقِ على النَّارِ رِيْشَتِي ، لِتَرى في اللَّحْظَةِ شَوْكَتِي ، فَأَنا نَشَّأْتُكَ تَحْتَ جَناحِي ، رَبَّيْتُكَ مَعَ أَطْفالي ، أَجِيْءُ في الوَقْتِ كالغَيْمِ الأَسْوَدِ ، أجْلِبُكَ بلا أَذىً لِهذا المَكان ، لا تَجْعَلْ حُبَّ الحاضِنِ مَنْسِيَّاً مِنَ القَلْب ، فَإنَّ حُبَّكَ في قَلْبي يُقَطِّعُ القَلْب ، جَعَلَ قَلْبَهُ سَعِيْداً وَرَفَعَهُ ، رَفَعَهُ في دلالٍ إلى الغَيْم ، جاءَ بِهِ عِنْدَ الأَبِ مِنَ الطَّيَران ، شَعْرُ رَأْسِهِ واصِلٌ أَسْفَلَ الصَّدْر ، بَدَنُهُ كالفِيْلِ والوَجْهُ مِثْلَ الرَّبِيْع ، حِيْنَ رَآهُ الأَبُ بَكى بِحُرْقَة ، حَنى الرَّأْسَ أمامَ السِّيْمُرْغ مُسْرِعاً ، لَمْ تَجِئْهُ زِيادَةٌ عَنْ قَوْلِ أَحْسَنْت ، يَنْظُرُ إلى الوَلَدِ مِنَ الرَّأْسِ للقَدَم ، إذْ هُوَ لائِقٌ بالتَّاجِ والتَّخْتِ المَلَكِيّ ، بِحاجِبِ وَعَضُدِ الأَسَدِ وَوَجْهِ الشَّمْس ، وَقَلْبِ البَطَلِ وَيَدِ طالِبِ السَّيْف ، قَلْبُ سام صارَ كالجَنَّةِ لِهذا ، عَمِلَ الثَّناءَ لِذاكَ الوَلَدِ الطَّاهِر ، قالَ أَيْ وَلَدُ اجْعَلْ قَلْبَكَ رَقِيْقاً مَعِي ، مِنْ ذاكَ الَّذي أَوْرَدْتُ عَلَيْكَ مِنَ الجَوْر ، قَبِلْتُ مِنَ الإلهِ العَظِيْم ، أنْ لا أَجْعَلَ القَلْبَ قاسِياً عَلَيْك، أَبْحَثُ عَنْ هَواكَ في الحَسَنِ والقَبِيْحِ ، مِنْ بَعْدِ هذا كُلُّ ما تُرِيْدُ جائز ؛ كسا بَدَنَهُ بِقَباءِ البَطَل ، وَنَقَلَ الخَطى مِنْ ذلِكَ الجَبَل ، نَزَلُوا بالسُّرُورِ إلى المَدِيْنَة، شَيْئاً شَيْئاً وَصَلَ الخَبَرُ للشَّاه ، أنْ سامُ جاءَ مِنَ الجِبَلِ بِعِزِّ الشَّأْن ، مِنُوﭽـهر سَعِدَ بِذاكَ الخَبَر ، أثْنى كَثِيْراً على خالِقِ العالَم ؛ طَلَبَ إلَيْهِ سام لَيَراهُ، وَيرى دَسْتان، وَيَصِيْرَ بِمَرْآهُما سَعِيْداً ، مُسْرِعاً تَوْجَّهَ لِإِيْوانِ المَلِك ، حِيْنَ وَصَلَ قَرِيْباً مِنَ المَلِك ، رأى مِنُوﭽـهر جالِساً سَعِيْداً على العَرْش ، واضِعاً تاجَ العَظَمَةِ على الرَّأْس ، زُيِّنَ زالُ أمامَ الشَّاه ، بِعَمُودٍ مِنَ الذَّهَبِ وَتاجٍ مِنَ الذَّهَب ، بَقِيَ في العَجَبِ مِنْهُ مَلِكُ البلاد ، مِنْ ذاكَ القَوامِ الرَّفِيْعِ وَذاكَ الوَجْهِ الجَمِيْل ، هكذا قالَ مَلِكُ البِلادِ لِسام ، لا تُؤْذِهِ بالعَبَثِ مِنْ أَيِّ وَجْه ، لا تَكُنْ لَهُ إِلَّا بالسُّرُورِ والفَرَح ، فَهُوَ يَمْلِكُ عِزَّ المُلُوكِ وَقَبْضَةَ الأَسَد ، وَقْلْبَ العُقَلاءِ وَصَوْلَةَ الأَسَد ، ثُمَّ عَنْ أَمْرِ السِّيْمُرغ والجَبَلِ العالي ، وَعَنْ كَيْفَ صارَ مَهِيْناً العَزِيْز ، قالَ لَهُ سام كُلَّ ذاكَ بالتَّفْصِيْل ، مِمَّا كانَ ظاهِراً وَما كانَ مَخْفِيَّاً ، فَتَحَ السِّرَّ عَنْ رَمْيِ زال وَكَيْفَ جَلَبَهُ ، قالَ ذَهَبْتُ بِأَمْرِ إلهِ العالَمِ ، إلى جَبَلِ البُرْزِ لِذاكَ المَكانِ المُوْحِش ، رَأَيْتُ جَبَلاً رَأْسُهُ في السَّحاب ، كَأَنَّهُ الفَلَكُ مِنَ الصَّخْرِ على الماء ، عَلَيْهِ عُشٌّ كَأَنَّهُ القَصْرُ العالي ، سُدَّتْ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جِهَةِ طَرِيْقُ الأَذى ، فِيْهِ في الدَّاخِلِ فَرْخُ الطَّائِرِ وَزال ، كما لَوْ قُلْتَ كانا قَرِيْنَيْن ، رَفْرَفَ طائِرُ السِّيْمُرْغ وَصارَ للغَيْم ، حَلَّقَ فَوْقَ رَأْسِ الرَّجُلِ المَجُوْسِيّ ، نَزَلَ مِنَ الجَبَلِ مِثْلَ غَيْمِ الرَّبيع ، آخِذاً بَدَنَ زال مِنْ ناحِيَة ، جاءَ بِهِ أمامي مِثْلَ حاضِنَةٍ ، أنا جِئْتُ بِهِ إلى مَلِكِ العالَم ، جَعَلْتُ كُلَّ مَخْفِيٍّ لَهُ ظاهِراً ؛ ثُمَّ أمَرَ الشَّاهُ الحُكَماءَ ، مِنَ العارِفِيْنَ بالنُّجُومِ وَمِنَ العُلَماء ، أنْ يَطلِبُوا نَجْمَ زالَ ما يَكُون ، العارِفُونَ بالنُّجُومِ في اللَّحْظَة ، مِنَ النَّجْمِ أَخَذُوا الإشارَةَ ظاهِرَة ، قالُوا للشَّاهِ صاحِبِ التَّاجِ المَلَكِيّ ، أنْ عِشْ سَعِيْداً ما بَقِيَ الدَّهْر ، فَهُوَ يَكُونُ مِقْداماً مَشْهُوراً ، وَعَزِيْزاً وَعاقِلاً وَبَطَلاً وَفارِساً ، حِيْنَ سَمِعَ الشَّاهُ هذا الحَدِيْثَ سَعِدَ ، قَلْبُ البَطَلِ صارَ حُرَّاً مِنَ الغَمّ ، شاهُ الأَرْضِ أَعَدَّ خِلْعَةً ، كُلُّ شَخْصٍ أطْرى عَلَيْها ، مِنَ الخَيْلِ العَرَبِيَّةِ بِأَعِنَّةِ الذَّهَب، مِنَ السُّيُوفِ الهِنْدِيَّةِ بِأغْمادِ الذَّهَب ، مِنَ الدِّيْنارِ والخَزِّ وَمِنَ الياقُوتِ والذَّهَب ، مِنَ الفَرْشِ الكَثِيْرُ الكَثِيْر ، الغِلْمانُ الرُّومُ بالدِّيْباجِ الرُّوْمِيّ ، كُلُّ جَواهَرِهِ هَياكِلُ وَذَهَبُهُ لا يُحَدّ ، والزَّبَرْجَدُ أطْباقٌ والجامُ مِنَ الفَيْرُوز ، أو مِنَ الذَّهَبِ الأحْمَرِ أو مِنَ الفِضَّةِ الخام ، وَكَمْ مِنَ المِسْكِ والكافُورِ وَكَمْ مِنَ الزَّعْفَران ، الجَمِيْعُ أَنْفَذُوا الأمْرَ بِذاك ، والجَواشِنُ والخُوَذُ وَثِيابُ الحَرْب ، والحِرابُ والسِّهامُ والدَّبابيسُ الثَّقِيْلَةُ ، والتَّخْتُ الفَيْرُوْزِيُّ والتَّاجُ الذَّهَبِيّ ، والخاتَمُ الياقُوْتِيُّ والكَمَرُ الذَّهَبِيّ ، وَمِنْ بَعْدِ ذاكَ مِنُوﭽـهر كَتَبَ عَهْداً لِزال ، كُلُّهُ مَدْحٌ على هَيْئَةِ الجَنَّة ، أنْ كابُلْ وَزابُلْ وَماي والهِنْد ، مِنْ بَحْرِ الصِّيْنِ إلى بَحْرِ السِّنْد ، مِنْ زابُلْستان إلى ذاكَ الوَجْهِ الوَعْر ، جَمِيْعاً تَحْتَ إمْرَةِ زال، إِذْ عُمِلَ هذا نَهَضَ سامُ واقِفاً ، وَجَّهُوا الوَجْهَ إلى زابُلْستان ، النَّظَّارَةُ إِلَيْهِ في كُلِّ مَدِيْنَةٍ وَحَيّ ، حِيْنَ اقْتَرَبَ مِنَ الجَنُوب ، صارَ الخَبَرُ عَنِ الأمِيْرِ مُضِيْءِ الدُّنيا ، زُيِّنَتْ سِيْستان مِثْلَ الجَنَّة ، كانَ سُرُوْرٌ في العالَمِ فَرِيْد ، للكُلِّ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبار ، تَوَجَّهَ سام بالحَديثِ إلى زال ، أنْ خُذْ بالعَدْلِ والكَرَمِ واطْلُبِ السَّلام ، واعْلَمْ هكذا أنَّ زابُلَ مَنْزِلُك ، الدُّنْيا قاطِبَةً تَحْتَ أَمْرِك ، جاءَ مَمْلُوءاً بالفِكْرِ دَسْتان سام ، جَلَسَ مِنْ فَوْقِ تَخْتِ العاجِ المَشْهُور ، وَضَعَ على الرَّأْسِ ذاكَ التَّاجَ المُضِيْء ، مَعَ السِّوارِ والدَّبُّوْسِ بِرَأْسِ بَقَرَة ، وَمَعَ الطُّوْقِ الذَّهَبِيِّ والكَمَرِ الذَّهَبِيّ ، كذا صارَ زال مِنْ بَعْدِ التَّعَلُّمِ ، كما لَوْ قُلْتَ صارَ النَّجْمَ مِنَ الضِّياء ،على هذا الشَّكْلِ ظَلَّ الفَلَكُ الدَّائِرُ يَدُور ، مِنْ أَجْلِ سام وَمِنْ أَجْلِ زال فَرَشَ المَحَبَّة.
الشاهنامه

العمل الملحمي الأبرز، غير أن هذه الطبعة من الشاهنامه لا تشبه ما هو متوفر في سوق الترجمة، تُترجم حديثاً، بقلم المترجم الفذّ: د. علي عباس زليخة، وغير خافٍ أن هذا المترجم هو فارس الترجمة في الوطن العربي؛ إذ ترجم عن الفارسية وحدها (المثنوي المعنوي- منطق الطير، كتاب الأسرار، المصيبة، ديوان فريد الدين العطار، ديوان حافظ الشيرازي، المجالس السبعة، رسائل صفي عليشاه، وغيرها) بالإضافة إلى ترجمته من الآداب الأخرى عن: لامارتين، بودلير، فيغتور هيغو، شيللي، وغيرهم.

ترجمة الشاهنامه هي الأبرز لهذا العام، وهي طبعة فريدة ومطابقة للأصل لا تصرُّفَ في ترجمتها.

 

قِصَّةُ زال (دستان) بن سام البَطَل في عَهْدِ المَلِكِ مِنُوﭽـهر مِنْ مُلُوكِ الفُرْس
لَمْ يَكُنْ لِسام نَرِيْمان بَطَلِ العالَمِ أَيُّ وَلَدٍ ، وَكانَ قَلْبُهُ في طَلَبِ هذا المُراد ، كانَ في مَنْزِلِ حَرِيْمِهِ حَسْناءٌ ، الحَسْناءُ حَمَلَتْ مِنْ سام نَريمان ، عانَتْ مِنْ ثِقَلِ الحَمْلِ وانْفَصَلَ عَنْها، طِفْلٌ وَسِيْمٌ كالشَّمْسِ ، كانَ بالوَجْهِ كالشَّمْسِ ، لكِنَّ شَعْرَهُ كانَ أَبْيَضَ تَماماً، وُلِدَ الوَلَدُ على تِلْكَ الهَيْئَةِ مِنَ الأُمّ ، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ لِسام مُدَّةَ أُسْبُوع ، دَخَلَتْ المُرَبِّيَةُ بِجُرْأَةٍ على البَطَل ، أنْ كانَ اليَوْمُ مُبارَكاً على البَطَلِ سام ، مِنْ خَلْفِ حِجابِكَ أَيْ طالِبَ الاِسْم، جاءَ وَلَدٌ طاهِرٌ بِوَجْهِ قَمَر ، بَدَنُهُ بَياضُ الفِضَّةِ وَوَجْهُهُ كالجَنَّة ، لا تَرى عَلَيْهِ طَرَفاً واحِداً مَعِيْباً، مِنَ العَيْبِ عِنْدَهُ بَياضُ الشَّعْر، هكذا كانَ قَسْمُكَ أَيْ طالِبَ الاِسْم، سامُ الفارِسُ حِيْنَ رَأى الْوَلَدَ أَبْيَضَ الشَّعْر ، وَجَّهَ الوَجْهَ إلى السَّماءِ طالباً الغَوْثَ مِنَ الخالِق، أنْ إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ ذَنْباً عَظِيْماً ، أوْ كُنْتُ جِئْتُ بِطَرِيْقِ الشَّيْطان ، عَلَّ خالِقَ العالَمِ بالمَعْذِرَة ، يَعْمَلُ في العالَمِ لِيَ المَغْفِرَة ، حِيْنَ يَجِيْءُ الأبْطالُ وَيَسْأَلُوْنَني ، ما أُجِيْبُ عَنْ هذا الطِّفْلِ سَيِّئِ العلامَة ، ما أَقُولُ عَنْ طِفْلِ الشَّيْطانِ هذا ما يَكُون ، مِنْ هذا العارِ أنا أَتْرُكُ أَرْضَ إِيْران ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ ، مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ وَيُؤْخَذَ بَعِيْداً ، أخَذُوهُ إلى جَبَلِ البُرْز(الهملايا)، وَضَعُوْهُ على الجَبَلِ وعادُوا راجِعِيْن ، طائِرٌ في ذلِكَ الجَبَلِ اِسْمُهُ السيمُرغ، طارَ مِنَ العُشِّ لِيَجْلِبَ لِصِغارِهِ الطَّعام، رأى طِفْلاً رَضِيْعاً باكِياً ، لَهُ مِنَ الصَّخْرِ سَرِيْرٌ وَمِنَ التُّرابِ حاضِنَة ، البَدَنُ بلا ثَوْبٍ والشَّفَةُ مِنَ اللَّبَنِ طاهِرَة ، هَبَطَ السِّيْمُرْغ نازِلاً مِنَ السَّحاب ، أخَذَهُ بالمَخْلَبِ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الحارَّة، حَمَلَهُ مُسْرِعاً إلى أعلى جَبَلِ البُرْز ، صارَ السِّيْمُرغ يُرَبِّيْهِ مَعَ صِغارِه، صارَ يَنْتَخِبُ ذاكَ الأَلْطَفَ مِنَ الصَّيْدِ ، لِيَمْتَصَّ مِنْهُ الدَّمَ ذاكَ الضَّيْفُ بلا لَبَن ، على هذا النَّحْوِ زَمَناً طَوِيْلاً، حِيْنَ ذاكَ الوَلَدُ الصَّغِيْرً صارَ ذا قَدْر ، على ذاكَ الجَبْلِ بَعْدَ أنْ مَرَّ عُمْر ، صارَ رَجُلاً بِقامَةِ سَرْوَةٍ حُرَّةٍ ، صَدْرُهُ جَبَلُ فِضَّةٍ وَوَسَطُهُ كالنَّاي ، صارَ الخَبَرُ عَنْهُ مُنْتَشِرَاً في العالَم ، لا الخَيْرُ يَبْقى مَخْفِيَّاً أَبَداً ولا الشَّرّ ، لِسام نَرِيْمانَ وَصَلَ الخَبَرُ ، عَنْ ذاكَ الوَلَدِ العَزِيْزِ مُبارَكِ القَدَم .
في لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالي وَكانَ نائِماً بِحُرْقَةِ قَلْبٍ ، وَكانَ مِنْ فِعْلِ الزَّمانِ في الاِضْطِراب ، رأى في النَّوْمِ هكذا أنْ مِنَ الهُنُود ، جاءَ رَجُلٌ يَعْدُو على حِصانٍ عَرَبِيّ ، أَعْطاهُ البِشارَةَ عَنْ وَلَدِهِ ، عنْ ذاكَ الغُصْنِ الشَّامِخِ المُثْمِرِ مِنْه ؛ حِيْنَ صارَ مُسْتَيْقِظاً طَلَبَ رِجالَ الدِّيْن ، قالَ ما تَقُولُونَ في هذِهِ القِصَّة ، عَقْلُكُمْ على هذا رَفِيْقٌ مُعِيْن ، كُلُّ شَخْصٍ كانَ مِنْ شَيْخٍ وَشابّ ، فَتَحَ اللِّسانَ بالحَدِيْثِ للبَطَل ، أنْ على الصَّخْرِ والتُّرابِ الأَسَدُ والفَهْد ، وَفي البَحْرِ سَواءً الحُوتُ أمِ التِّمْساح ، جَمِيْعُ هَؤلاءِ يُرَبُّونَ الصِّغار ، يُوْصِلُونَ بِذاكَ الثَّناءَ للإله ، أنتَ عَهْدَ عَطاءِ الخَيْرِ نَقَضْت ، ذاكَ الطِّفْلَ بلا ذَنْبٍ رَمَيْت ، اِقْصِدِ الآنَ للإلهِ طَلَبَ المَغْفِرَة ، فَهُوَ يَكُونُ الدَّلِيْلَ للخَيْر ، حِيْنَ صارَ اللَّيْلُ مُظْلِماً ذَهَبَ للنَّوم ، رأى في النَّوْمِ أنْ مِنْ جَبَلِ الهِنْد ، هكذا ارْتَفَعَتْ رايَةٌ عالِيَة ، وَشابٌّ حَسَنُ الوَجْهِ جاءَ ظاهِراً ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ جَيْشٌ ثَقِيْل ، عَنْ يَدِهِ اليُسْرى مُوْبِدٌ فَرِيْد ، وَعَنْ يُمْناهُ عاقِلٌ مَشْهُور ، مِنْ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ جاءَ واحِدٌ أمامَ سام ، فَتَحَ اللِّسانَ بالحَدِيْثِ بِبارِدِ الكَلام ، أَنْ أَيْ رَجُلاً مُتَهَوِّراً فاسِدَ الرَّأْي، غَسَلْتَ القَلْبَ والعَيْنَ مِنَ الخَجَلِ مِنَ الإله ، إذا كانَ الشَّعْرُ الأَبْيَضُ عَيْباً للرَّجُل ، لِحْيَتُكَ تَصِيْرُ مِثْلَ الصَّفْصافِ الأَبْيَض ، فَكُنْ إِذَنْ نَفُوراً مِنَ الخالِقِ ، لَقَدْ كانَتْ لِوَلَدِكَ العِنايَةُ مِنَ الخالِق ، فَما مِنْ حاضِنٍ أَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ ، سام وَهُوَ في النَّوْمِ صارَ يَبْكِي ، مِثْلَ أَسَدٍ هَصُورٍ وَقَعَ بالشِّباك ، حِيْنَ صارَ مُسْتَيْقِظاً طَلَبَ العُقَلاء ، جاءَ مَعَهُم مُسْرِعاً إلى سَفْحِ ذاكَ الجَبَلِ ، رأى جَبَلاً رَأْسُهُ في الثُّرَيَّا ، كما لَوْ قُلْتَ يُرِيْدُ يَحْمِلُ النَّجْم ، وَعُشَّ طَيْرٍ رُفِعَ مِنْهُ عالِياً ، فلا يَصِلُ لَهُ الأَذى مِنْ كَيْوان ، مِنَ الأَبَنُوْسِ والصَّنْدَلِ أُنْزِلَ عَمُود ، وَمِنْ خَشَبِ العُوْدِ عُقِدَ العُوْدُ بالعُوْد ، نَظَرَ سامُ إلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ الصَّلْدَة ، إلى هَيْبَةِ ذاكَ الطَّائِرِ وَهَوْلِ العُشّ ، كانَ قَصْراً قِمَّتُهُ في السَّماك ، بلا أَذىً مِنْ يَدٍ ولا مِنَ الماءِ والتُّراب ، بَحَثَ عَنِ الطَّرِيْقِ إِلَيْهِ وَمَتى كانَ الطَّرِيْق ، للوُحُوشِ والنَّعَمِ لِمِثْلِ ذاكَ المَكان ، قالَ الثَّناءَ للخالِقِ المُبْدِع ، وَعَفَّرَ الخَدَّيْنِ بالتُّراب ، قالَ أَنْ أَيْ أَعْلى مِنَ المَكان ، وَمِنَ الرُّوحِ المُضِيْئَةِ وَمِنَ الشَّمْسِ والقَمَر، إذا كانَ هذا الوَلَدُ مِنْ ظَهْري الطَّاهِر ، لا مِنَ البِذْرَةِ سَيِّئَةِ الجَوْهَرِ مِنَ الشَّيْطان ، خُذْ بِيَدِ العَبْدِ واقْبَلْ هذا المَمْلُوْءَ مِنَ الذُّنُوب .
السِّيْمُرغ قالَ لِوَلَدِ سام هكذا، أنْ أَيْ مَنْ رَأَيْتَ أَلَمَ العُشّ ، الوالِدُ سامُ بَطَلُ أَبْطالِ العالَم ، الشَّخْصُ الأَعْظَمُ ما بَيْنَ العُظَماء ، جاءَ لِهذا الجَبَلِ يَبْحَثُ عَنكَ، أنتَ يَجِيْءُ لَكَ عِنْدَهُ الاِعْتِبار ، إنَّهُ لائِقٌ أَنْ أَحْمِلَكَ الآن ، بلا أَذىً أَنْقُلُكَ إلى جِوارِه ، اُنْظُرْ لِما قالَ دَسْتان للسِّيْمُرْغ ، كأنَّكَ صِرْتَ شَبْعانَ مِنْ رِفْقَتِي ، عِشُّكَ هُوَ المَكانُ المُضِيْءُ لِي، جَناحاكَ هُما تاجُ رِفْعَتِي ، أعْطى الجَوابَ هكذا أنْ إِذا رَأَيْتَ ، رَسْمَ المُلُوكِ والتَّاجَ والعَرْش ، رُبَّما لا يَكُونُ لَكَ هذا العُشُّ ذا عَمَل ، قُمْ بِعَمَلِ امْتِحانٍ واحِدٍ مِنَ الدَّهْر ، وَخُذْ مَعَكَ رِيْشَةً مِنْ جَناحِي، فَإنَّ ظِلَّ رِفْعَتي مُبارَك ، إذا قابَلُوكَ بِأَيَّةِ شِدَّةٍ ، وإِذا جاؤوا بالجِدالِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرّ ، أَلْقِ على النَّارِ رِيْشَتِي ، لِتَرى في اللَّحْظَةِ شَوْكَتِي ، فَأَنا نَشَّأْتُكَ تَحْتَ جَناحِي ، رَبَّيْتُكَ مَعَ أَطْفالي ، أَجِيْءُ في الوَقْتِ كالغَيْمِ الأَسْوَدِ ، أجْلِبُكَ بلا أَذىً لِهذا المَكان ، لا تَجْعَلْ حُبَّ الحاضِنِ مَنْسِيَّاً مِنَ القَلْب ، فَإنَّ حُبَّكَ في قَلْبي يُقَطِّعُ القَلْب ، جَعَلَ قَلْبَهُ سَعِيْداً وَرَفَعَهُ ، رَفَعَهُ في دلالٍ إلى الغَيْم ، جاءَ بِهِ عِنْدَ الأَبِ مِنَ الطَّيَران ، شَعْرُ رَأْسِهِ واصِلٌ أَسْفَلَ الصَّدْر ، بَدَنُهُ كالفِيْلِ والوَجْهُ مِثْلَ الرَّبِيْع ، حِيْنَ رَآهُ الأَبُ بَكى بِحُرْقَة ، حَنى الرَّأْسَ أمامَ السِّيْمُرْغ مُسْرِعاً ، لَمْ تَجِئْهُ زِيادَةٌ عَنْ قَوْلِ أَحْسَنْت ، يَنْظُرُ إلى الوَلَدِ مِنَ الرَّأْسِ للقَدَم ، إذْ هُوَ لائِقٌ بالتَّاجِ والتَّخْتِ المَلَكِيّ ، بِحاجِبِ وَعَضُدِ الأَسَدِ وَوَجْهِ الشَّمْس ، وَقَلْبِ البَطَلِ وَيَدِ طالِبِ السَّيْف ، قَلْبُ سام صارَ كالجَنَّةِ لِهذا ، عَمِلَ الثَّناءَ لِذاكَ الوَلَدِ الطَّاهِر ، قالَ أَيْ وَلَدُ اجْعَلْ قَلْبَكَ رَقِيْقاً مَعِي ، مِنْ ذاكَ الَّذي أَوْرَدْتُ عَلَيْكَ مِنَ الجَوْر ، قَبِلْتُ مِنَ الإلهِ العَظِيْم ، أنْ لا أَجْعَلَ القَلْبَ قاسِياً عَلَيْك، أَبْحَثُ عَنْ هَواكَ في الحَسَنِ والقَبِيْحِ ، مِنْ بَعْدِ هذا كُلُّ ما تُرِيْدُ جائز ؛ كسا بَدَنَهُ بِقَباءِ البَطَل ، وَنَقَلَ الخَطى مِنْ ذلِكَ الجَبَل ، نَزَلُوا بالسُّرُورِ إلى المَدِيْنَة، شَيْئاً شَيْئاً وَصَلَ الخَبَرُ للشَّاه ، أنْ سامُ جاءَ مِنَ الجِبَلِ بِعِزِّ الشَّأْن ، مِنُوﭽـهر سَعِدَ بِذاكَ الخَبَر ، أثْنى كَثِيْراً على خالِقِ العالَم ؛ طَلَبَ إلَيْهِ سام لَيَراهُ، وَيرى دَسْتان، وَيَصِيْرَ بِمَرْآهُما سَعِيْداً ، مُسْرِعاً تَوْجَّهَ لِإِيْوانِ المَلِك ، حِيْنَ وَصَلَ قَرِيْباً مِنَ المَلِك ، رأى مِنُوﭽـهر جالِساً سَعِيْداً على العَرْش ، واضِعاً تاجَ العَظَمَةِ على الرَّأْس ، زُيِّنَ زالُ أمامَ الشَّاه ، بِعَمُودٍ مِنَ الذَّهَبِ وَتاجٍ مِنَ الذَّهَب ، بَقِيَ في العَجَبِ مِنْهُ مَلِكُ البلاد ، مِنْ ذاكَ القَوامِ الرَّفِيْعِ وَذاكَ الوَجْهِ الجَمِيْل ، هكذا قالَ مَلِكُ البِلادِ لِسام ، لا تُؤْذِهِ بالعَبَثِ مِنْ أَيِّ وَجْه ، لا تَكُنْ لَهُ إِلَّا بالسُّرُورِ والفَرَح ، فَهُوَ يَمْلِكُ عِزَّ المُلُوكِ وَقَبْضَةَ الأَسَد ، وَقْلْبَ العُقَلاءِ وَصَوْلَةَ الأَسَد ، ثُمَّ عَنْ أَمْرِ السِّيْمُرغ والجَبَلِ العالي ، وَعَنْ كَيْفَ صارَ مَهِيْناً العَزِيْز ، قالَ لَهُ سام كُلَّ ذاكَ بالتَّفْصِيْل ، مِمَّا كانَ ظاهِراً وَما كانَ مَخْفِيَّاً ، فَتَحَ السِّرَّ عَنْ رَمْيِ زال وَكَيْفَ جَلَبَهُ ، قالَ ذَهَبْتُ بِأَمْرِ إلهِ العالَمِ ، إلى جَبَلِ البُرْزِ لِذاكَ المَكانِ المُوْحِش ، رَأَيْتُ جَبَلاً رَأْسُهُ في السَّحاب ، كَأَنَّهُ الفَلَكُ مِنَ الصَّخْرِ على الماء ، عَلَيْهِ عُشٌّ كَأَنَّهُ القَصْرُ العالي ، سُدَّتْ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جِهَةِ طَرِيْقُ الأَذى ، فِيْهِ في الدَّاخِلِ فَرْخُ الطَّائِرِ وَزال ، كما لَوْ قُلْتَ كانا قَرِيْنَيْن ، رَفْرَفَ طائِرُ السِّيْمُرْغ وَصارَ للغَيْم ، حَلَّقَ فَوْقَ رَأْسِ الرَّجُلِ المَجُوْسِيّ ، نَزَلَ مِنَ الجَبَلِ مِثْلَ غَيْمِ الرَّبيع ، آخِذاً بَدَنَ زال مِنْ ناحِيَة ، جاءَ بِهِ أمامي مِثْلَ حاضِنَةٍ ، أنا جِئْتُ بِهِ إلى مَلِكِ العالَم ، جَعَلْتُ كُلَّ مَخْفِيٍّ لَهُ ظاهِراً ؛ ثُمَّ أمَرَ الشَّاهُ الحُكَماءَ ، مِنَ العارِفِيْنَ بالنُّجُومِ وَمِنَ العُلَماء ، أنْ يَطلِبُوا نَجْمَ زالَ ما يَكُون ، العارِفُونَ بالنُّجُومِ في اللَّحْظَة ، مِنَ النَّجْمِ أَخَذُوا الإشارَةَ ظاهِرَة ، قالُوا للشَّاهِ صاحِبِ التَّاجِ المَلَكِيّ ، أنْ عِشْ سَعِيْداً ما بَقِيَ الدَّهْر ، فَهُوَ يَكُونُ مِقْداماً مَشْهُوراً ، وَعَزِيْزاً وَعاقِلاً وَبَطَلاً وَفارِساً ، حِيْنَ سَمِعَ الشَّاهُ هذا الحَدِيْثَ سَعِدَ ، قَلْبُ البَطَلِ صارَ حُرَّاً مِنَ الغَمّ ، شاهُ الأَرْضِ أَعَدَّ خِلْعَةً ، كُلُّ شَخْصٍ أطْرى عَلَيْها ، مِنَ الخَيْلِ العَرَبِيَّةِ بِأَعِنَّةِ الذَّهَب، مِنَ السُّيُوفِ الهِنْدِيَّةِ بِأغْمادِ الذَّهَب ، مِنَ الدِّيْنارِ والخَزِّ وَمِنَ الياقُوتِ والذَّهَب ، مِنَ الفَرْشِ الكَثِيْرُ الكَثِيْر ، الغِلْمانُ الرُّومُ بالدِّيْباجِ الرُّوْمِيّ ، كُلُّ جَواهَرِهِ هَياكِلُ وَذَهَبُهُ لا يُحَدّ ، والزَّبَرْجَدُ أطْباقٌ والجامُ مِنَ الفَيْرُوز ، أو مِنَ الذَّهَبِ الأحْمَرِ أو مِنَ الفِضَّةِ الخام ، وَكَمْ مِنَ المِسْكِ والكافُورِ وَكَمْ مِنَ الزَّعْفَران ، الجَمِيْعُ أَنْفَذُوا الأمْرَ بِذاك ، والجَواشِنُ والخُوَذُ وَثِيابُ الحَرْب ، والحِرابُ والسِّهامُ والدَّبابيسُ الثَّقِيْلَةُ ، والتَّخْتُ الفَيْرُوْزِيُّ والتَّاجُ الذَّهَبِيّ ، والخاتَمُ الياقُوْتِيُّ والكَمَرُ الذَّهَبِيّ ، وَمِنْ بَعْدِ ذاكَ مِنُوﭽـهر كَتَبَ عَهْداً لِزال ، كُلُّهُ مَدْحٌ على هَيْئَةِ الجَنَّة ، أنْ كابُلْ وَزابُلْ وَماي والهِنْد ، مِنْ بَحْرِ الصِّيْنِ إلى بَحْرِ السِّنْد ، مِنْ زابُلْستان إلى ذاكَ الوَجْهِ الوَعْر ، جَمِيْعاً تَحْتَ إمْرَةِ زال، إِذْ عُمِلَ هذا نَهَضَ سامُ واقِفاً ، وَجَّهُوا الوَجْهَ إلى زابُلْستان ، النَّظَّارَةُ إِلَيْهِ في كُلِّ مَدِيْنَةٍ وَحَيّ ، حِيْنَ اقْتَرَبَ مِنَ الجَنُوب ، صارَ الخَبَرُ عَنِ الأمِيْرِ مُضِيْءِ الدُّنيا ، زُيِّنَتْ سِيْستان مِثْلَ الجَنَّة ، كانَ سُرُوْرٌ في العالَمِ فَرِيْد ، للكُلِّ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبار ، تَوَجَّهَ سام بالحَديثِ إلى زال ، أنْ خُذْ بالعَدْلِ والكَرَمِ واطْلُبِ السَّلام ، واعْلَمْ هكذا أنَّ زابُلَ مَنْزِلُك ، الدُّنْيا قاطِبَةً تَحْتَ أَمْرِك ، جاءَ مَمْلُوءاً بالفِكْرِ دَسْتان سام ، جَلَسَ مِنْ فَوْقِ تَخْتِ العاجِ المَشْهُور ، وَضَعَ على الرَّأْسِ ذاكَ التَّاجَ المُضِيْء ، مَعَ السِّوارِ والدَّبُّوْسِ بِرَأْسِ بَقَرَة ، وَمَعَ الطُّوْقِ الذَّهَبِيِّ والكَمَرِ الذَّهَبِيّ ، كذا صارَ زال مِنْ بَعْدِ التَّعَلُّمِ ، كما لَوْ قُلْتَ صارَ النَّجْمَ مِنَ الضِّياء ،على هذا الشَّكْلِ ظَلَّ الفَلَكُ الدَّائِرُ يَدُور ، مِنْ أَجْلِ سام وَمِنْ أَجْلِ زال فَرَشَ المَحَبَّة.
الشاهنامه

Additional information