تعدُّ الشاهنامه الأثر الأدبي الأعظم والأبرز، ألّفها الشاعر الفارسي أبو القاسم الفردوسي في القرن الحادي عشر للميلاد، وهي أطول قصيدة ملحمية في التاريخ، تجاوزت ستين ألف بيتٍ، تحكي تاريخ بلاد فارس منذ العصر الأسطوريِّ حتى الفتح الإسلامي.
وإذا تمَّت مقارنة الشاهنامه بغيرها من الملاحم الشهيرة الأخرى مثل الإلياذة والأوديسة والإنياذة والفردوس المفقود، نجد أنها تشترك معها في بضع خصائص: منها أن هذه الملاحم جميعها عبارة عن قصائد طويلة تروي قصص البطولة، إضافةً إلى أنَّها تعكسُ القيم الثقافيَّة والأخلاقيَّة للمجتمعات التي نشأتْ بها، وأيضاً إسهامها بشكلٍ بارزٍ في الأدب العالميِّ.
لكن ما تختلف به الشاهنامه عن غيرها من الملاحم هو أنَّها تفوقها طولاً، إذْ تضمُّ أكثر من ستين ألف بيتٍ من الشِّعر، لكنَّها تعكسُ تاريخ بلادِ فارس فقط؛ أي ملحمة قومية، فيما كانت الملاحم الأخرى عالمية.
دار جدلٌ حول مدى ذمِّ الشَّاهنامه للعرب، بعضهم يرى أنَّها تُظهرهم بشكلٍ سلبيٍّ، وأنَّها تروّج للفكرِ القوميِّ الفارسيِّ، وهناك من لا يعتقدُ بهذا ويقول إنَّ الشَّاهنامه تدعو للتَّعايش بين الشُّعوب.
ويستندُ من يقولُ بالرَّأي الأوَّل إلى أنَّ الشَّاهنامه تصفُ العربِ بالقومِ الكارهينَ للفُرس، وأنَّهم غزوا بلاد فارس لنهبِ خيراتها، كما تصفُهم أيضاً بالمتوحشِّين الذين لا يعرفونَ الحضارة أو القانون وأنَّهم رعاةُ إِبل، وأنَّهم كُفَّار وعبدةُ أصنامٍ لا يؤمنون بالبعث.
فيما يذهب أصحاب الرأي الثاني إلى القول إن الشاهنامه تركز على البطولات الفردية عربية كانت أم فارسية، ومثال ذلك: وصف بطولات رستم الفارسي وبطولات عمرو بن كلثوم العربي، وأنها في أمكنة مختلفة تصف العرب أنهم (إخوة في الدين).
ورأيٌ ثالثٌ يقول إنَّها تصفُ العرب بشكلٍ سلبيٍّ لكن ليس بصورةٍ كاملة، فهناك من الفرس من ينظرُ إليهم بشكلٍ إيجابيٍّ، وآخرون بشكلٍ سلبيٍّ، ويُعزون هذه النَّظرة السَّلبية إلى أنَّ الفترة التي كُتبت بها الشَّاهنامه كانت في القرن الحادي عشر الميلادي، وهي فترةٌ كانت العلاقةُ فيها متوترةً بين العرب والفرس.
لذلك فإن الإجابة عن سؤال مدى ذمِّ الشاهنامه للعرب هي إجابةٌ معقدة، ويمكن أن نعزو هذا التخبُّط في النَّظرةِ إلى الترجمة، فقد جرت محاولاتٌ عدَّة لترجمة الشاهنامه إلى العربيَّة، لكن التَّرجمة الوحيدة المعتمدة عربياً هي التي قام بها أبو الفتح البنداري الأصفهاني، التي أُنجزت في القرن السابع الهجري، والتي يؤخذ عليها أنها ترجمة موجزة أتت في ما يقارب ألف صفحة، فيما تقترب الترجمة الكاملة من ثلاثة آلاف صفحة، مما يعني أنَّ ثلثي النص مفقود في الترجمة، اختصرت الكثير من التفاصيل في النص الأصلي، وهو ما أفقد الترجمة ثراء النص الأصلي، بالإضافة إلى أنها ترجمة حرة لم تلتزم بالنص الأصلي حرفياً، مما جعلها تفقد شيئاً من المصداقية.
اليوم.. تعلن دار ياسمينا للترجمة والنشر والتوزيع عن انتهاء ترجمة الشاهنامه بأجزائها التسعة، ترجمة كاملة غير منقوصة، ومطابقة للأصل مئة في المئة. قام الدكتور علي عباس زليخة بترجمتها كاملةً على مدار سنواتٍ من الاجتهاد والعمل الدَّؤوب والمضني، وهو مترجمٌ غنيٌّ عن التعريف، مشهودٌ له ببراعة الأداء وجودة النقل والأمانة، إذ ترجم عن الفارسية وحدها: (المثنوي المعنوي- الديوان الكبير، المصيبة، منطق الطير، الأسرار، رسائل صفي عليشاه، مجموع ديوان حافظ الشيرازي)، وعن الترجمات من اللغات الأخرى كالفرنسية والإنكليزية: (لامارتين- بودلير- فيغتور هيغو- شيلي).
من سوريا، على الرغم من الظروف الصعبة، من بلاد الياسمين والحلم، إلى القرّاء في كل مكانٍ من العالم، أنتم على موعدٍ مع العمل الأبرز والأصعب في الترجمة لهذا العام (الشاهنامه الكاملة بأجزائها التسعة).